القانون، بوصفه مجموعة الأحكام التي تُنظم اختصاصات مؤسسات المجتمع، مثلما تنظم العلاقات بين أفراد هذا المجتمع، هو ركن أساسي وسيادي من أركان الدولة الحديثة، فهو أساسي لأنه لا غنى عنه لأي مجتمع، وهو سيادي لأن السلطة العامة - ممثلةً في الدولة - هي وحدها القادرة والمختصة بتشريع وسن هذا القانون وبمتابعة تطبيقه.
لذلك حرصت دولة الإمارات، منذ قيامها، على تنظيم مسألة تشريع القانون وإصداره، فأفردت، لهذا الغرض، مواد عديدة في دستور الدولة، وأهمها المادة (110) التي نصت على ما يلي:"
- 1. تصدر القوانين الاتحادية بموجب أحكام هذه المادة وغيرها من أحكام الدستور المناسبة.
2 . يصبح مشروع القانون قانونًا بعد اتخاذ الإجراءات التالية:
( أ ) يُعِد مجلس الوزراء مشروع القانون ويعرضه على المجلس الوطني الاتحادي.
(ب) يعرض مجلس الوزراء مشروع القانون على رئيس الاتحاد للموافقة عليه ولعرضه على المجلس الأعلى للتصديق عليه.
(جـ) يوقع رئيس الاتحاد القانون بعد تصديقه من المجلس الأعلى ويصدره.
....."
وبمُطالعة هذه المادة نجد أنَّ سّنَّ القانون وتشريعه في دولة الإمارات عملية ٌمُركبة، تبدأ اقتراحاً من مجلس الوزراء، ثم يُعرض الأمر على المجلس الوطني الاتحادي، بصفته ممثلاً لشعب الإمارات، ليناقشها ويقرر ما يراه بشأن المُقترح المرفوع إليه (قبولاً أو تعديلاً أو رفضاً). وبعد المجلس الوطني الاتحادي، تأتي مرحلة التشريع الأخيرة حيث تكون الصلاحية في إصدار القانون لصاحب السمو رئيس الدولة بعد مصادقة المجلس الأعلى للاتحاد على المشروع.
ونظرًا لأن موضوع هذا المقال متعلقٌ ((بدور أعضاء المجلس الوطني الاتحادي في مناقشة مشروعات القوانين الاتحادية)) فسوف نستعرض الجزء الخاص بالمجلس الوطني وحده في صناعة التشريع.
يبدأ دور المجلس الوطني في عملية التشريع عندما يصله مشروع القانون المُقترح من مجلس الوزراء، مرسلا إلى معالي رئيس المجلس، حيث تكفلت اللائحة الداخلية للمجلس (الصادرة بقرار رئيس الدولة رقم 11 لسنة 2023 بعد موافقة المجلس الأعلى للاتحاد عليها) ببيان إجراءات تناول هذا المشروع، التي تبدأ بأن يتولى رئيس المجلس إحالته إلى اللجنة المختصة الدائمة لدراسته بعد أخذ موافقة المجلس على ذلك، أو أن يتولى إحالته مباشرة إلى تلك اللجنة المختصة دون انتظار أخذ موافقة المجلس إذا كان المشروع وارداً للنظر فيه على وجه الاستعجال، أو أن يكون رئيس المجلس قد قدّرَ أنه يتعين النظر فيه بشكل مستعجل.
وبعد إحالة مشروع القانون إليها، تبدأ اللجنة المختصة (التي تتكون من 5 أو 7 أعضاء) من تلقاء نفسها مناقشة أمر موافقتها عليه من حيث المبدأ، أو أن تطلب أولا من الأمانة العامة للمجلس موافاتها بما يُعينها على دراسة ومناقشة هذا المشروع من دراسات تغطي جميع الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإحصائية ومقارنات دستورية وقانونية، ودراسات في الأثر التشريعي المتوقع من وراء المشروع لتوافق على تولي مناقشته باعتباره يقع ضمن نطاق اختصاصها، وبعد أن تتوافق اللجنة على قبول مشروع القانون، تتولى تعميمه على كل أعضاء المجلس ليقدم كل عضو ما يراه من رأي أو وملاحظة بينما لايزال مشروع القانون في مرحلة الدراسة أمام اللجنة. وفي الوقت ذاته، تقوم اللجنة المختصة بمناقشات عديدة بين أعضائها ومناقشات أخرى مع الجهة الاتحادية صاحبة المشروع، وأيضا مع الجهات الأخرى التي لها صلة مباشرة بالقانون المطروح للمناقشة.
هذا، وقد حدَّدت المادة (64) من اللائحة الداخلية للمجلس مواعيد يجب أن تُنهي اللجنة خلالها دراسة ومناقشة مشروع القانون المطروح (شهرًا للمشروعات المستعجلة وشهرين للمشروعات التي لا ترد على وجه الاستعجال) وذلك من خلال اجتماعات متعاقبة ومتعددة تعقدها اللجان لهذا الغرض. وبعد الانتهاء من دراسته، تقوم اللجنة المختصة بتعميمه على أعضاء المجلس للاستماع إلى أي ملاحظات إضافية قد يطرحها بقية أعضاء المجلس. وبعد أن تكون اللجنة قد انتهت من كل ذلك ووضعت التقرير بالشكل الذي اقتنعت به، تتولى رفعه مشفوعاً بتقرير مُفصَل منها شاملاً التعديلات التي أدخلتها على المشروع إلى رئيس المجلس ليحدد له موعداً للنظر فيه بالجلسة العامة للمجلس التي تُعقد عادة كل أسبوعين، أو كلما تطلبت حاجة العمل، مع إرسال المشروع والتقرير للجهة الحكومية المعنية ولأعضاء المجلس لقراءته والاستعداد لجلسة المناقشة.
في اليوم المُحدد لمناقشة مشروع القانون في الجلسة العامة، تبدأ مناقشات مشروع القانون ببيان تشريعي يقدمه الوزير الحاضر الذي يمثل الجهة صاحبة المشروع ليبينَ أهداف المشروع والأسس التي قام عليها، يلي ذلك قراءة تقرير اللجنة الدائمة التي درست المشروع، ثم يقرر المجلس ما يراه بشأن قبوله لمشروع القانون أو عدم قبوله من حيث المبدأ. فإذا قَبِله تناول مواد المشروع مادة بقراءتها ومناقشتها وأخذ الملاحظات عليها إن كانت هناك ملاحظات، مع إعطاء الفرصة لكل من يريد المداخلة التي ينبغي أن تكون مركزة وبعيدة عن التكرار. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة أخذ الرأي على المادة التي تمت مناقشتها للموافقة عليها بأغلبية أصوات أعضاء المجلس الحاضرين، وبعد مناقشة المشروع مادة وأخذ موافقة المجلس على كل مادة، يتم أخذ الرأي عليه مرة أخرى في مجمله وبالصياغة التي انتهى إليها المجلس، وبعد ذلك يرُسل المشروع إلى مجلس الوزراء الموقر ليستكمل دوره في إصداره كما نصَّت عليها مادة الدستور المذكورة في بداية المقال.
سعادة/ د. عمر النعيمي- أمين عام المجلس الوطني الاتحادي